حيدر حب الله

12

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

ثانياً : ما هو المراد من التنازع ؟ هل هو اختلاف الرأي أم شيء آخر أبعد من ذلك ؟ الذي يبدو من بعض الفقهاء والأصوليين أنهم استندوا إلى هذه الآية لتحريم العمل بالقياس ؛ لأنه يفضي إلى اختلاف الرأي « 1 » ، كما استدلّوا بها أيضاً لإثبات مذهب التخطئة في أصول الفقه مقابل التصويب ، ولعلّ أقدم من فعل ذلك هو ابن حزم الأندلسي ( 456 ه - ) في المحلّى « 2 » ، وكذلك فعل الحرّ العاملي ( 1104 ه - ) في الفصول المهمّة « 3 » ، كما استدلّوا بها لتحريم الجدال « 4 » . لكنّ الصحيح أنّ النهي عن التنازع لا علاقة له باختلاف الآراء ، ومن ثم فالاستدلال به على مسألة التخطئة أو قضية القياس ونحوهما غير صحيح ؛ لأنّ في كلمة التنازع - بحسب دلالتها اللغوية - نوعٌ من التجاذب والتشاجر والتخاصم ، وهو ما يفهم أيضاً من كلمات اللغويين « 5 » ، فمجرّد اختلاف الرأي بشكل هادىء وعلمي وأخلاقي دون تجاذب ومنافرة وتخاصم وحقد وضغينة وتشنّج . . لا يشمله مفهوم التنازع الوارد في الآية الكريمة . يضاف إلى ذلك ، أن الآية حرّمت التنازع من حيث الإفضاء إلى الضعف والوهن ؛ أما تعدّد الآراء والاجتهادات وسيادة الحوار والجدال بالتي هي أحسن داخل الدائرة الإسلامية ؛ فهذا يمكنه أن يقوّي المسلمين وينضج أفكارهم ويطوّر

--> ( 1 ) تفسير الرازي 8 : 174 . ( 2 ) ابن حزم ، المحلّى 1 : 70 . ( 3 ) الفصول المهمة في أصول الأئمة 1 : 543 . ( 4 ) انظر : تفسير الفخر الرازي 5 : 183 . ( 5 ) راجع : العين 1 : 359 ؛ والصحاح 3 : 1289 ؛ ولسان العرب 8 : 352 ؛ ومختار الصحاح : 335 ؛ والقاموس المحيط 3 : 88 ؛ ومجمع البحرين 4 : 295 ؛ وتاج العروس 11 : 476 و . .